فصل: تفسير الآية رقم (145)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏142- 143‏]‏

‏{‏وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ‏(‏142‏)‏ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏143‏)‏‏}‏

‏{‏حمولة‏}‏ عطف على ‏{‏جنات معروشات‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 141‏]‏ التقدير وأنشأنا من الأنعام حمولة، وبالحمولة ما تحمل الأثقال من الإبل والبقر عند من عادته أن يحمل عليها والهاء في ‏{‏حمولة‏}‏ للمبالغة، وقال الطبري هو اسم جمع لا واحد من لفظه، و«الفرش» ما لا يحمل ثقلاً كالغنم وصغار البقر والإبل، هذا هو المروي عن ابن مسعود وابن عباس والحسن وغيرهم، يقال له الفرش ويفرش، وذهب بعض الناس إلى أن تسميته ‏{‏فرشاً‏}‏ إنما هي لوطاءته وأنه مما يمتهن ويتوطأ ويتمكن من التصرف فيه إذ قرب جسمه من الأرض‏.‏

وروي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ «الحمولة» الإبل والخيل والبغال والحمير، ذكره الطبري‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ وهذا منه تفسير لنفس اللفظة لا من حيث هي في هذه الآية، ولا تدخل في الآية لغير الأنعام وإنما خصت بالذكر من جهة ما شرعت فيها العرب، وقوله ‏{‏مما رزقكم‏}‏ نص إباحة وإزالة ما سنه الكفار من البحيرة والسائبة وغير ذلك، ثم تابع النهي عن تلك السنن الآفكة بقوله اختلاف القراء في «خطوات»، ومن شاذها قراءة علي رضي الله عنه والأعرج وعمرو بن عبيد «خُطُؤات» بضم الخاء والطاء وبالهمزة، قال أبو الفتح وذلك جمع خطأة من الخطأ ومن الشاذ قراءة أبي السمال «خطوات» بالواو دون همزة وهو جمع خطوة وهي ذرع ما بين قدمي الماشي، ثم علل النهي عن ذلك بتقرير عداوة الشيطان لابن آدم، وقوله تعالى ‏{‏ثمانية‏}‏ اختلف في نصبها فقال الأخفش علي بن سليمان بفعل مضمر تقديره كلوا لحم ثمانية أزواج فحذف الفعل والمضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقيل نصب على البدل من ما في قوله ‏{‏كلو مما رزقكم الله‏}‏، وقيل نصبت على الحال، وقيل نصبت على البدل من قوله ‏{‏حمولة وفرشاً‏}‏، وهذا أصوب الأقوال وأجراها مع معنى الآية، وقال الكسائي نصبها ‏{‏أنشأ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 141‏]‏ والزوج الذكر والزوج الأنثى كل واحد منهما زوج صاحبه، وهي أربعة أنواع فتجيء ثمانية أزواج، و‏{‏الضأن‏}‏ جمع ضائنة وضائن، وقرأ طلحة بن مصرف وعيسى بن عمر والحسن من «الضأن» بفتح الهمزة، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي «ومن المعْز» بسكون العين وهو جمع ماعز وماعزة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «ومن المعَز» بفتح العين فضأن ومعز كراكب وركب وتاجر وتجر وضان ومعز كخادم وخدم ونحوه، وقرأ أبان بن عثمان «من الضأن اثنان» على الابتداء والخبر المقدم، ويقال في جمع ماعز معز ومعز ومعيز وأمعوز وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل الذكرين‏}‏ هذا تقسيم على الكفار حتى يتبين كذبهم على الله أي لا بد أن يكون حرم الذكرين فيلزمكم تحريم الذكور أو الأنثيين فيلزمكم تحريم جميع الإناث، أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين فيلزمكم تحريم الجميع وأنتم لم تلتزموا شيئاً مما يوجبه هذا التقسيم، وفي هذه السؤالات تقرير وتوبيخ ثم اتبع تقريرهم وتوبيخهم بقوله ‏{‏نبئوني‏}‏ أخبروني ‏{‏بعلم‏}‏ أي من جهة نبوءة أو كتاب من كتب الله ‏{‏إن كنتم صادقين‏}‏ و‏{‏إن‏}‏ شرط وجوابه في ‏{‏نبئوني‏}‏، وجاز تقديم جواب هذا الشرط لما كانت ‏{‏إن‏}‏ لا يظهر لها عمل في الماضي، ولو كانت ظاهرة العمل لما جاز تقدم الجواب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏144‏]‏

‏{‏وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ‏(‏144‏)‏‏}‏

القول في هذه الآية في المعنى وترتيب التقسيم كالقول المتقدم في قوله ‏{‏من الضأن اثنين ومن المعز اثنين‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 143‏]‏ وكأنه قال أنتم الذين تدعون أن الله حرم خصائص من هذه الأنعام لا يخلو تحريمه من أن يكون في ‏{‏الذكرين‏}‏ أو فيما ‏{‏اشتملت عليه أرحام الأثنين‏}‏ لكنه لم يحرم لا هذا ولا هذا فلم يبق إلا أنه لم يقع تحريم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا‏}‏ الآية استفهام على جهة التوبيخ، إذ لم يبق لهم الادعاء المحال والتقوّل أنهم شاهدوا وصية الله لهم بهذا، و‏{‏شهداء‏}‏ جمع شهيد، ثم تضمن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن أظلم‏}‏ ذكر حال مفتري الكذب على الله وتقرير إفراط ظلمه، وقال السدي‏:‏ كان الذي سيبوا وبحروا يقولون‏:‏ الله أمرنا بهذا ثم بيّن تعالى سوء مقصدهم بالافتراء لأنه لو افترى أحد فرية على الله لغير معنى لكان ظلماً عظيماً فكيف إذا قصد بهما إضلال أمة، وقد يحتمل أن تكون اللام في ‏{‏ليضل‏}‏ لام صيرورة، ثم جزم الحكم لا رب غيره بأنه ‏{‏لا يهدي القوم الظالمين‏}‏، أي لا يرشدهم، وهذا عموم في الظاهر وقد تبين تخصيصه مما يقتضيه الشرع أن الله يهدي ظلمة كثيرة بالتوبة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏145‏]‏

‏{‏قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏145‏)‏‏}‏

هذا أمر من الله عز وجل بأن يشرع للناس جميعاً ويبين عن الله ما أوحي إليه، وهذه الآية نزلت بمكة ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت شيء محرم غير هذه الأشياء، ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة وزيد في المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والممتردية والنطيحة، فإن هذه وإن كانت في حكم الميتة فكان في النظر احتمال أن تلحق بالمذكيات لأنها بأسباب وليست حتف الأنف، فلما بين النص إلحاقها بالميتة كانت زيادة في المحرمات، ثم نزل النص على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم الخمر بوحي غير مُنْجَز، وبتحريم كل ذي ناب من السباع، فهذه كلها زيادات في التحريم ولفظة التحريم إذا وردت على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنها صالحة أن تنتهي بالشيء المذكور إلى غاية المنع والحظر، وصالحة بحسب اللغة أن تقف دون الغاية في حيز الكراهية ونحوها، فما اقترنت به قرينة التسليم من الصحابة المتأولين وأجمع عليه الكل منهم ولم يضطرب فيه ألفاظ الأحاديث وأمضاه الناس على إذلاله وجب بالشرع أن يكون تحريمه قد وصل الغاية من الحظر والمنع ولحق بالخنزير والميتة، وهذه صفة تحريم الخمر وما اقترنت به قرينة ألفاظ الحديث واختلفت الأمة فيه مع علمهم بالأحاديث كقوله عليه السلام «كل ذي ناب من السباع حرام»‏.‏

وقد روي عنه نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع ثم اختلف الصحابة ومن بعدهم في تحريم ذلك فجاز لهذه الوجوه لمن ينظر أن يجمل لفظ التحريم على المنع الذي هو الكراهية ونحوها، وما اقترنت به قرينة التأويل كتحريمه عليه السلام لحوم الحمر الإنسية فتأول بعض الصحابة الحاضرين ذلك لأنهم لم تخمس، وتأول بعضهم أن ذلك لئلا تفنى حمولة الناس، وتأول بعضهم التحريم المحض وثبت في الأمة الاختلاف في تحريم لحمها فجائز لمن ينظر من العلماء أن يحمل لفظ التحريم بحسب اجتهاده وقياسه على كراهية أو نحوها‏.‏

وروي عن ابن عامر أنه قرأ «فيما أَوحَى إلي» بفتح الهمزة والحاء وقرأ جمهور الناس يطعمه وقرأ أبو جعفر محمد بن علي «يطّعِمه» بتشديد الطاء وكسر العين، وقرأ محمد بن الحنفية وعائشة وأصحاب عبد الله «طعمه» بفعل ماض، وقرأ نافع والكسائي وأبو عمر وعاصم «إلا أن يكون» بالياء على تقدير إلا أن يكون المطعوم، وقرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وأيضاً «إلا أن تكون» بالتاء من فوق «ميتة» على تقدير إلا أن تكون المطعومة، وقرأ ابن عامر وحده وذكرها مكي عن ابي جعفر «إلا أن تكون» بالتاء «ميتةٌ» بالرفع على أن تجعل «تكون» بمعنى تقع، ويحتاج على هذه القراءة أن يعطف ‏{‏أو دماً‏}‏ على موضع «أن تكون»، لأنها في موضع نصب بالاستثناء، والمسفوح الجاري الذي يسيل وجعل الله هذا فرقاً بين القليل والكثير، والمنسفح، السائل من الدم ونحوه، ومنه قول الشاعر وهو طرفة‏:‏

إذا ما عَادهُ مِنّا نِساءٌ *** سَفَحْنَ الدَّمْعَ مِنْ بعْدِ الرَّنِينِ

وقول امرئ القيس‏:‏

وإن شفائي عبرة إن سفحتها *** فالدم المختلط باللحم والدم الخارج من مرق اللحم وما شاكل هذا حلال والدم غير المسفوح هو هذا وهو معفوّ عنه، وقيل لأبي مجلز في القدر تعلوها الحمرة من الدم قال‏:‏ إنما حرم الله المسفوح، وقالت نحوه عائشة وغيرها وعليه إجماع العلماء‏.‏

وقيل‏:‏ الدم حرام لأنه إذا زايل فقد انسفخ، و«الرجس» النتن والحرام، يوصف بذلك الأجرام والمعاني كما قال عليه السلام‏:‏ «دعوها فإنها منتنة»؛ الحديث، فكذلك قيل في الأزلام والخمر رجس، والرجس أيضاً العذاب لغة بمعنى الرجز، وقوله ‏{‏أو فسقاً‏}‏ يريد ذبائحهم التي يختصون بها أصنامهم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن اضطر‏}‏ الآية، أباح الله فيها مع الضرورة ركوب المحظور دون بغي‏.‏

واختلف الناس فيم ذا فقالت فرقة دون أن يبغي الإنسان في أكله فيأكل فوق ما يقيم رمقه وينتهي إلى حد الشبع وفوقه، وقالت فرقة‏:‏ بل دون أن يبغي في أن يكون سفره في قطع طريق أو قتل نفس أو يكون تصرفه في معصية فإن ذلك لا رخصة له، وأما من لم يكن بهذه الأحوال فاضطر فله أن يشبع ويتزود، وهذا مشهور قول مالك بن أنس رحمه الله، وقال بالأول الذي هو الاقتصار على سد الرمق عبد المالك بن حبيب رحمه الله، وقوله ‏{‏فإن ربك غفور رحيم‏}‏ إباحة تعطيها قوة للفظ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏146‏]‏

‏{‏وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ‏(‏146‏)‏‏}‏

لما ذكر الله عز وجل ما حرم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أعقب ذلك بذكر ما حرم على اليهود لما في ذلك من تكذيبهم في قولهم إن الله لم يحرم علينا شيئاً وإنما حرمنا على أنفسنا ما حرمه إسرائيل على نفسه، وقد تقدم القول في سورة البقرة في ‏{‏هادوا‏}‏ ومعنى تسميتهم يهوداً، و‏{‏كل ذي ظفر‏}‏ يراد به الإبل والنعام والإوز ونحوه من الحيوان الذي هو غير منفرج الأصابع وله ظفر، وقال أبو زيد‏:‏ المراد الإبل خاصة وهذا ضعيف التخصيص، وذكر النقاش عن ثعلب أن كل ما لا يصيد فهو ذو ظفر وما يصيد فهو ذو مخلب‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ وهذا غير مطرد لأن الأسد ذو ظفر، وقرأ جمهور الناس «ظُفُر» بضم الظاء والفاء، وقرأ الحسن والأعرج «ظفْر» بسكون الفاء، وقرأ أبو السمال قعنب «ظْفْر» بكسر الظاء وسكون الفاء‏.‏

وأخبرنا الله عز وجل في هذه الآية بتحريم الشحوم على بني إسرائيل وهي الثروب وشحم الكلى وما كان شحماً خالصاً خارجاً عن الاستثناء الذي في الآية‏.‏

واختلف العلماء في تحريم ذلك على المسلمين من ذبائح اليهود فحكى ابن المنذر في الأشراف عن مالك وغيره منع أكل الشحم من ذبائح اليهود وهو ظاهر المدونة‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ وهذا على القول في قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 5‏]‏ بأنه المطعوم من ذبائحهم وأما ما لا يحل لهم فلا تقع عليه ذكاة بل هو كالدم في ذبائح المسلمين، وعلى هذا القول يجيء قول مالك رحمه الله في المدونة فيما ذبحه اليهودي مما لا يحل لهم كالجمل والأرنب أنه لا يؤكل‏.‏

وروي عن مالك رحمه الله كراهية الشحم من ذبائح أهل الكتاب دون تحريم وأباح بعض الناس الشحم من ذبائح أهل الكتاب وذبحهم ما هو عليهم حرام إذا أمرهم بذلك مستنيباً أو نحوه‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ وهذا على أن يجعل قوله ‏{‏وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 5‏]‏ يراد به الذبائح فمتى وقع الذبح على صفته وقعت الإباحة، وهذا قول ضعيف لأنه جرد لفظة‏.‏ ‏{‏وطعام‏}‏ من معنى أن تكون مطعوماً لأهل الكتاب وخلصها لمعنى الذبح وذلك حرج لا يتوجه، وأما الطريق فحرمه قوم وكرهه وأباحه قوم وخففه مالك في المدونة ثم رجع إلى منعه، وقال ابن حبيب ما كان محرماً عليهم وعلمنا ذلك من كتابنا فلا يحل لنا من ذبائحهم، وما لم نعلم تحريمه إلا من أقوالهم فهو غير محرم علينا من ذبائحهم، وقوله ‏{‏إلا ما حملت ظهورهما‏}‏ يريد ما اختلط باللحم في الظهر والأجناب ونحوه، قال السدي وأبو صالح‏:‏ الأليات مما حملت ظهورهما ‏{‏أو الحوايا‏}‏ قال هو جمع حوية على وزن فعلية، فوزن، «حوايا» على هذا فعائل كسفينة وسفائن، وقيل هو جمع حاوية على وزن فاعلة، فحوايا على هذا فواعل كضاربة وضوارب وقيل جمع حاوياء، فوزنها على هذا أيضاً فواعل كقاصعاء وقواصع وأما «الحوايا» على الوزن الأول فأصلها حوايي فقلب الياء الأخيرة ألفاً فانفتحت لذلك الهمزة ثم بدلت ياء، وأما على الوزنين الأخيرين فأصل «حوايا» حواوي وبدلت الوو الثانية همزة، والحوية ما تحوى في البطن واستدار وهي المصارين والحشوة ونحوهما، وقال مجاهد وقتادة وابن عباس والسدي وابن زيد‏:‏ «الحوايا» المباعر وقال بعضهم‏:‏ هي المرابط التي تكون فيها الأمعاء وهي بنات اللبن، وقوله ‏{‏أو ما اختلط بعظم‏}‏ يريد في سائر الشخص، و‏{‏الحوايا‏}‏ معطوف على ‏{‏ما‏}‏ في قوله ‏{‏إلا ما حملت‏}‏ فهي في موضع نصب عطفاً على المنصوب بالاستثناء، وقال الكسائي ‏{‏الحوايا‏}‏ معطوف على الظهور، كأنه قال «إلا ما حملت ظهورهما أو حملت الحوايا»، وقال بعض الناس ‏{‏الحوايا‏}‏ معطوف على الشحوم‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ وعلى هذا تدخل ‏{‏الحوايا‏}‏ في التحريم، وهذا قول لا يعضده اللفظ ولا المعنى بل يدفعانه، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك جزيناهم ببغيهم‏}‏، ‏{‏ذلك‏}‏ في موضع رفع و‏{‏جزيناهم ببغيهم‏}‏ يقتضي أن هذا التحريم إنما كان عقوبة لهم على ذنوبهم وبغيهم واستعصائهم على الأنبياء، وقوله ‏{‏وإنَّا لصادقون‏}‏ إخبار يتضمن التعريض بكذبهم في قولهم ما حرم الله علينا شيئاً وإنما اقتدينا بإسرائيل فيما حرم على نفسه ويتضمن إدحاض قولهم ورده عليهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏147- 148‏]‏

‏{‏فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ‏(‏147‏)‏ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ‏(‏148‏)‏‏}‏

يريد ‏{‏فإن كذبوك‏}‏ فيما أخبرت به أن الله حرمه عليهم وقالوا لم يحرم الله علينا شيئاً وإنما حرمنا ما حرم إسرائيل على نفسه، قال السدي وهذه كانت مقالتهم ‏{‏فقل‏}‏ يا محمد على جهة التعجب من حالهم والتعظيم لفريتهم في تكذيبهم لك مع علمهم بحقيقة ما قلت، ‏{‏ربكم ذو رحمة واسعة‏}‏، إذ لا يعاجلكم بالعقوبة مع شدة جرمكم‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ وهذا كما تقول عند رؤية معصية أو أمر مبغي ما أحلم الله، وأنت تريد لإمهاله على مثل ذلك في قوله ‏{‏ربكم ذو رحمة واسعة‏}‏ قوة وصفهم بغاية الاجترام وشدة الطغيان، ثم أعقب هذه المقالة بوعيد في قوله ‏{‏ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين‏}‏ فكأنه قال‏:‏ ولا تغتروا أيضاً بسعة رحمته فإن له بأساً لا يرد عن المجرمين إما في الدنيا وإما في الآخرة، وهذه الآية وما جانسها من آيات مكة مرتفع حكمه بالقتال، وأخبر الله عز وجل نبيه عليه السلام‏:‏ أن المشركين سيحتجون لصواب ما هم عليه من شركهم وتدينهم بتحريم تلك الأشياء بإمهال الله تعالى وتقريره حالهم وأنه شاء غير ذلك لما تركهم على تلك الحال‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ وبين أن المشركين لا حجة لهم فيما ذكروه لأنّا نحن نقول‏:‏ إن الله عز وجل لو شاء ما أشركوا ولكنه عز وجل شاء إشراكهم وأقدرهم على اكتساب الإشراك والمعاصي ومحبته والاشتغال به ثم علق العقاب والثواب على تلك الأشياء والاكتسابات، وهو الذي يقتضيه ظواهر القرآن في قوله ‏{‏جزاء بما كانوا يكسبون‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 82-95‏]‏ ونحو ذلك، ويلزمهم على احتجاجهم أن تكون كل طريقة وكل نحلة صواباً، إذ كلها لو شاء الله لم تكن‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ وقال بعض المفسرين‏:‏ إنما هذه المقالة من المشركين على جهة الاستهزاء، وهذا ضعيف، وتعلقت المعتزلة بهذه الآية فقالت‏:‏ إن الله قد ذم لهم هذه المقالة وإنما ذمها لأن كفرهم ليس بمشيئة الله تعالى بل هو خلق لهم‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ وليس الأمر على ما قالوا، وإنما ذم الله تعالى ظن المشركين أن ما شاء الله لا يقع عليه عقاب وأما أنه ذم قولهم‏:‏ لولا المشيئة لم نكفر فلا، ثم قال ‏{‏كذلك كذب الذين من قبلهم‏}‏ وفي الكلام حذف يدل عليه تناسق الكلام، كأنه قال‏:‏ سيقول المشركون كذا وكذا وليس في ذلك حجة لهم، ولا شيء يقتضي تكذيبك ولكن ‏{‏كذلك كذب الذين من قبلهم‏}‏ بنحو هذه الشبهة من ظنهم أن ترك الله لهم دليل على رضاه بحالهم، وفي قوله ‏{‏حتى ذاقوا بأسنا‏}‏ وعيد بيّن، وليس في الآية رد منصوص على قولهم‏:‏ لو شاء الله ما أشركنا، وإنما ترك الرد عليهم مقدراً في الكلام لوضوحه وبيانه، وقوله ‏{‏ولا آباؤنا‏}‏ معطوف على الضمير المرفوع في ‏{‏أشركنا‏}‏ والعطف على الضمير المرفوع لا يرده قياس، بخلاف المظنون، لكن سيبويه قد قبح العطف على الضمير المرفوع، ووجه قبحه أنه لما بني الفعل صار كحرف من الفعل فقبح العطف عليه لشبهه بالحرف، وكذلك كقولك‏:‏ قمت وزيد، لأن تأكيده فيه يبين معنى الاسمية، ويذهب عنه شبه الحرف، وحسن عند سيبويه العطف في قوله ‏{‏وما أشركنا ولا آباؤنا‏}‏ لما طال الكلام، ب ‏{‏لا‏}‏، فكان معنى الاسمية اتضح واقتضت- لا ما يعطف بعدها وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل هل عندكم من علم‏}‏ الآية‏:‏ المعنى قل يا محمد للكفرة‏:‏ هل عندكم من علم من قبل الله تعالى فتبينوه حتى تقوم به الحجة، و‏{‏من‏}‏ في قوله ‏{‏من علم‏}‏ زائدة مؤكدة وجاءت زيادتها لأن الاستفهام داخل في غير الواجب، ‏{‏إن تتبعون إلا الظن‏}‏ أي لا شيء عندكم إلا الظن وهو أكذب الحديث‏.‏ وقرأ جمهور الناس‏:‏ «تتبعون» على المخطابة، وقرأ النخعي وإبراهيم وابن وثاب‏:‏ «إن يتبعوا» بالياء حكاية عنهم‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ وهذه قراءة شاذة يضعفها قوله ‏{‏وإن أنتم‏}‏ و‏{‏تخرصون‏}‏ معناه‏:‏ تقدرون وتظنون وترجمون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏149- 150‏]‏

‏{‏قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏149‏)‏ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ‏(‏150‏)‏‏}‏

ثم أعقب تعالى أمره نبيه صلى الله عليه وسلم بتوقيف المشركين على موضع عجزهم بأمره إياه بأن يقول مبيناً مفصحاً ‏{‏فلله الحجة البالغة‏}‏ يريد البالغة غاية المقصد في الأمر الذي يحتج فيه، ثم أعلم بأنه لو شاء لهدى العالم بأسره‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ وهذه الآية ترد على المعتزلة في قولهم إن الهداية والإيمان إنما هي من العبد لا من الله، فإن قالوا معنى ‏{‏لهداكم‏}‏ لاضطركم إلى الهدى فسد ذلك بمعتقدهم أن الإيمان الذي يريد الله من عباده ويثيب عليه ليس الذي يضطر إليه العبد، وإنما هو عندهم الذي يقع من العبد وحده، و‏{‏هلم‏}‏ معناه هات، وهي حينئذ متعدية، وقد تكون بمعنى أقبل، فهي حينئذ لا تتعدى، وبعض العرب يجعلها اسماً للفعل كرويدك، فيخاطب بها الواحد والجميع والمذكر والمؤنث على حد واحد، وبعض العرب يجعلها فعلاً فيركب عليها الضمائر فيقول هلم يا زيد وهلموا أيها الناس وهلمي يا هند ونحو هذا، وذكر اللغتين أبو علي في الإغفال، وقال أبو عبيدة اللغة الأولى لأهل العالية واللغة الثانية لأهل نجد، وقال سيبويه والخليل‏:‏ أصلها هالم، وقال بعضهم‏:‏ أصلها هالمم، وحذفت الألف لالتقاء الساكنين فجاء هلمم فحذف من قال أصلها هالم وأدغم من قال أصلها هلمم على غير قياس، ومعنى هذه الآية قل هاتوا شهداءكم على تحريم الله ما زعمتهم أنه حرمه، ثم قال الله تعالى لنبيه عليه السلام ‏{‏فإن شهدوا‏}‏ أي فإن افترى لهم أحداً وزور شهادة أو خبراً عن نبوة ونحو ذلك فتجنب أنت ذلك ولا تشهد معهم‏.‏

وفي قوله ‏{‏فلا تشهد معهم‏}‏ قوة وصف شهادتهم بنهاية الزور، ‏{‏ولا تتبع أهواء‏}‏ يريد لا تنحط في شهوات الكفرة وتوافقهم على محابهم و‏{‏والذين لا يؤمنون‏}‏ عطف نعت على نعت، كما تقول جاءني زيد الكريم والعاقل، هذا مذهب عظم الناس، وقال النقاش‏:‏ نزلت في الدهرية من الزنادقة‏.‏ ‏{‏وهم بربهم يعدلون‏}‏ أنداداً يسوونهم به، وإن كانت في الزنادقة فعدلهم غير هذا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏151‏]‏

‏{‏قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ‏(‏151‏)‏‏}‏

هذا أمر من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعوا جميع الخلق إلى سماع تلاوة ما حرم الله بشرع الإسلام المبعوث به إلى الأسود والأحمر، و‏{‏تعالوا‏}‏ معناه أقبلوا، وأصله من العلو فكأن الدعاء لما كان أمراً من الداعي استعمل فيه ترفيع المدعو، وتعالى هو مطاوع عالى، إذ تفاعل هو مطاوع فاعل‏.‏ و‏{‏أتل‏}‏ معناه اسردوا نص من التلاوة التي يصح هي اتباع بعض الحروف بعضا، و‏{‏ما‏}‏ نصب بقوله ‏{‏أتل‏}‏ وهي بمعنى الذي، وقال الزجّاج أن يكون قوله ‏{‏أتل‏}‏ معلقاً عن العمل و‏{‏ما‏}‏ نصب ب ‏{‏حرم‏}‏‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ وهذا قلق و‏{‏أن‏}‏ في قوله ‏{‏أن لا تشركوا‏}‏ يصح أن تكون في موضع رفع الابتداء التقدير، الأمر أن أو ذلك أن، ويصح أن تكون في موضع نصب على البدل من ‏{‏ما‏}‏ قال مكي وغيره‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ والمعنى يبطله فتأمله، ويصح أن يكون مفعولاً من أجله التقدير إرادة أن لا تشركوا به شيئاً، إلا أن هذا التأويل يخرج أن لا تشركوا من المتلو ويجعله سبباً لتلاوة المحرمات، و‏{‏تشركوا‏}‏ يصح أن يكون منصوباً ب ‏{‏أن‏}‏، ويتوجه أن يكون مجزوماً بالنهي وهو الصحيح في المعنى المقصود، و‏{‏أن‏}‏ قد توصل بما نصبته، وقد توصل بالفعل المجزوم بالأمر والنهي، و‏{‏شيئاً‏}‏ عام يراد به كل معبود من دون الله، و‏{‏إحساناً‏}‏ نصب على المصدر وناصبه فعل مضمر من لفظه تقديره وأحسنوا بالوالدين إحساناً والمحرمات تنفك من هذه المذكورات بالمعنى وهي الإشراك والعقوق وقرب الفواحش وقتل النفس وقال كعب الأحبار‏:‏ هذه الآيات مفتتح التوراة ‏{‏بسم الله الرحمن الرحمن قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم‏}‏ إلى آخر الآية، وقال ابن عباس هذه الآيات هي المحكمات التي ذكرها الله في سورة آل عمران اجتمعت عليها شرائع الخلق ولم تنسخ قط في ملة، وقد قيل إنها العشر الكلمات المنزلة على موسى، وإن اعترض من قال إن ‏{‏تشركوا‏}‏ منصوب ب ‏{‏أن‏}‏ بعطف المجزومات عليه فلذلك موجود في كلام العرب، وأنشد الطبري حجة لذلك‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏‏.‏

حج وأوصى بسليمى الأعْبُدا *** أن لا ترى ولا تكلمْ أحدا

ولا يزلْ شرابُها مبرَّدا *** وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقتلوا أولادكم‏}‏ الآية نهي عن عادة العرب في وأد البنات، والولد يعم الذكر والأنثى من البنين، و«الإملاق» الفقر وعدم المال، قاله ابن عباس وغيره، يقال أملق الرجل إذا افتقر‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ ويشبه أن يكون معناه أملق أي لم يبق له إلا الملق كما قالوا أترب إذا لم يبق له إلا التراب وأرمل إذا لم يبق له إلا الرمل، والملق الحجارة السود واحدته ملقة، وذكر منذر بن سعيد أن الإملاق الإنفاق، ويقال أملق بمعنى أنفقه، وذكر أن علياً قال لا مرأة أملقي من مالك ما شئت وذكر النقاش عن محمد بن نعيم الترمذي أنه السرف في الإنفاق، وحكى أيضاً النقاش عن مؤرج أنه قال‏:‏ الإملاق الجوع بلغة لخم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن‏}‏ نهي عام عن جميع أنواع الفواحش وهي المعاصي، و«ظهر وبطن» حالتان تستوفيان أقسام ما جعلت له من الأشياء، وذهب بعض المفسرين إلى أن القصد بهذه الآية أشياء مخصصات، فقال السدي وابن عباس‏:‏ ‏{‏ما ظهر‏}‏ هو زنا الحوانيت الشهير، و‏{‏ما بطن‏}‏ هو متخذات الأخدان، وكانوا يستقبحون الشهير وحده فحرم الله الجميع، وقال مجاهد ‏{‏ما ظهر‏}‏ هو نكاح حلائل الآباء ونحو ذلك، و‏{‏ما بطن‏}‏ هو الزنا إلى غير هذا من تخصيص لا تقوم عليه حجة، بل هو دعوى مجردة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقتلوا‏}‏ الآية متضمنة تحريم قتل النفس المسلمة والمعاهدة، ومعنى الآية ‏{‏إلا بالحق‏}‏ الذي يوجب قتلها وقد بينته الشريعة وهو الكفر بالله وقتل النفس والزنا بعد الإحصان والحرابة وما تشعب من هذه، و‏{‏ذلكم‏}‏ إشارة إلى هذه المحرمات، و«الوصية» الأمر المؤكد المقرر ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

أجدَّكَ لم تسمعْ وَصَاةَ محمَّدٍ *** نبيِّ الإلهِ حين أوصى وَأَشْهَدَا

وقوله ‏{‏لعلكم‏}‏ ترج بالإضافة إلينا أي من سمع هذه الوصية ترجى وقوع أثر العقل بعدها والميز بالمنافع والمضار في الدين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏152‏]‏

‏{‏وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ‏(‏152‏)‏‏}‏

هذا نهي عن القرب الذي يعم وجوه التصرف، وفيه سد الذريعة، ثم استثنى مايحسن وهو التثمير والسعي في نمائه، قال مجاهد‏:‏ ‏{‏التي هي أحسن‏}‏ التجارة فيه ممن كان من الناظرين له مال يعيش به، فالأحسن إذا ثمر مال يتيم أن لا يأخذ منه نفقة ولا أجرة ولا غيرها من كان من الناظرين لا مال له ولا يتفق له نظر إلا بأن ينفق على نفسه من ربح نظره وإلا دعته الضرورة إلى ترك مال اليتيم دون نظر فالأحسن أن ينظر ويأكل بالمعروف، قاله ابن زيد، و«الأشد» جمع شد وجمع شدة، وهو هنا الحزم والنظر في الأمور وحسن التصرف فيها‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ وليس هذا بالأشد المقرون ببلوغ الأربعين، بل هذا يكون مع صغر السن في ناس كثير وتلك الأشد هي التجارب والعقل المحنك، ولكن قد خلطهما المفسرون، وقال ربيعة والشعبي ومالك فيما روي عنه وأبو حنيفة، «بلوغ الأشد» البلوغ مع أن لا يثبت سفه، وقال السدي‏:‏ «الأشد» ثلاثون سنة، وقالت فرقة ثلاثة وثلاثون سنة، وحكى الزجاج عن فرقة ثمانية عشر سنة، وضعّفه ورجح البلوغ مع الرشد وحكى النقاش أن «الأشد» هنا من خمسة عشر إلى ثلاثين، والفقه ما رجح الزجّاج، وهو قول مالك رحمه الله الرشد وزوال السفه مع البلوغ‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ وهذا أصح الأقوال وأليقها بهذا الموضع، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأوفوا الكيل والميزان‏}‏ الآية أمر بالاعتدال في الأخذ والإعطاء، «والقسط» بالعدل، وقوله ‏{‏لا نكلف نفساً إلا وسعها‏}‏ يقتضي أن هذه الأوامر إنما هي فيما يقع تحت قدرة البشر من التحفظ والتحرز لا أنه مطالب بغاية العدل في نفس الشيء المتصرف فيه، قال الطبري‏:‏ لما كان الذي يعطي ناقصاً يتكلف في ذلك مشقة، وقوله ‏{‏وإذا قلتم فاعدلوا‏}‏ يتضمن الشهادات والأحكام والتوسط بين الناس وغير ذلك، أي ولو كان ميل الحق على قراباتكم، وقوله‏:‏ ‏{‏وبعهد الله‏}‏ يحتمل أن يراد جميع ما عهده الله إلى عباده، ويحتمل أن يراد به جميع ذلك مع جميع ما انعقد بين إنسانين وأضاف ذلك العهد إلى الله من حيث قد أمر بحفظه والوفاء به، وقوله ‏{‏لعلكم‏}‏ ترجٍّ بحسبنا وقرأ ابن كثر وأبو عمرو «تذّكّرون» بتشديد الذال والكاف جميعاً وكذلك «يذّكّرون» و«يذكّر الإنسان» وما جرى من ذلك مشدداً كله، وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر كل ذلك بالتشديد إلا قوله ‏{‏أو لا يذكر الإنسان‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 67‏]‏ فإنهم خففوها، وروى أبان وحفص عن عاصم «تذَكرون» خفيفة الذال في كل القرآن‏.‏

وقرأ حمزة والكسائي «تذكرون» بتخفيف الذال إذا كان الفعل بالتاء، وإذا كان بالياء قرأه بالتشديد، وقرأ حمزة وحده في سورة الفرقان ‏{‏لمن أراد أن يذْكر‏}‏ ‏[‏الآية‏:‏ 62‏]‏ بسكون الذال وتخفيف الكاف، وقرأ ذلك الكسائي بتشديدهما وفتحهما‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏153‏]‏

‏{‏وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ‏(‏153‏)‏‏}‏

الإشارة هي إلى الشرع الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بجملته، وقال الطبري‏:‏ الإشارة هي إلى هذه الوصايا التي تقدمت من قوله ‏{‏قل تعالوا أتل‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 151‏]‏ قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو «وأنّ هذا» بفتح الهمزة وتشديد النون «صراطي» ساكن الياء وقرأ حمزة والكسائي «وإنّ» بكسر الألف وتشديد النون، وقرأ عبد الله بن أبي إسحاق وابن عامر من السبعة «وأنْ» بفتح الهمزة وسكون النون «صراطيَ» مفتوح الياء، فأما من فتح الألف فالمعنى عنده كأنه قال ولأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، أي اتبعوه لكونه كذا وتكون الواو على هذا إنما عطفت جملة، ويصح غير هذا أن يعطف على ‏{‏أن لا تشركوا‏}‏ وكأن المحرم من هذا اتباع السبيل والتنكيب عن الصراط الأقوم، ومن قرأ بتخفيف النون عطف على قوله ‏{‏أن لا تشركوا‏}‏ ومذهب سيبويه أنها المخففة من الثقيلة، وأن التقدير وأنه هذا صراطي، ومن قرأ بكسر الألف وتشديد النون فكأنه استأنف الكلام وقطعه من الأول، وفي مصحف ابن مسعود «وهذا صراطي» بحذف أن، وقال ابن مسعود إن الله جعل طريقاً صراطاً مستقيماً طرفه محمد عليه السلام وشرعه ونهايته الجنة، وتتشعب منه طرق فمن سلك الجادة نجا ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار وقال أيضاً خط لنا الرسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطاً، فقال‏:‏ هذا سبيل الله، ثم خط عن يمين ذلك الخط وعن شماله خطوطاً فقال‏:‏ هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها، ثم قرأ هذه الآية‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ وهذه الآية تعلم أهل الأهواء والبدع والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد وتقدم القول في ‏{‏ذلك وصاكم‏}‏، وفي قوله ‏{‏لعلكم‏}‏ ومن حيث كانت المحرمات الأول لا يقع فيها عاقل قد نظر بعقله جاءت العبارة لعلكم تعقلون، والمحرمات الأخر شهوات وقد يقع فيها من العقلاء من لم يتذكر، وركوب الجادة الكاملة يتضمن فعل الفضائل، وتلك درجة التقوى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏154‏]‏

‏{‏ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ‏(‏154‏)‏‏}‏

‏{‏ثم‏}‏ في هذه الآية إنما مهلتها في ترتيب القول الذي أمر به محمد صلى الله عليه وسلم كأنه قال ثم مما قضيناه أنا آتينا موسى الكتاب، ويدعو إلى ذلك أن موسى عليه السلام متقدم بالزمان على محمد صلى الله عليه وسلم وتلاوته ما حرم الله، و‏{‏الكتاب‏}‏ التوراة، و‏{‏تماماً‏}‏ نصب على المصدر، وقوله ‏{‏على الذي أحسن‏}‏ مختلف في معناه فقالت فرقة ‏{‏الذي‏}‏ بمعنى الذين، و‏{‏أحسن‏}‏ فعل ماض صلة «الذين»، وكأن الكلام وآتينا موسى الكتاب تفضلاً على المحسنين من أهل ملته وإتماماً للنعمة عندهم، هذا تأويل مجاهد، وفي مصحف عبد الله «تماماً على الذين أحسنوا»، فهذا يؤيد ذلك التأويل، وقالت فرقة ‏{‏الذي‏}‏ غير موصولة، والمعنى تماماً على ما أحسن هو من عبادة ربه والاضطلاع بأمور نبوته، يريد موسى عليه السلام، هذا تأويل الربيع وقتادة، وقالت فرقة‏:‏ المعنى ‏{‏تماماً‏}‏ أي تفضلاً وإكمالاً على الذي أحسن الله فيه إلى عباده من النبوءات والنعم وغير ذلك، وف ‏{‏الذي‏}‏ أيضاً في هذا التأويل غير موصولة، وهذا تأويل ابن زيد وقرأ يحيى بن يعمر وابن إسحاق «تماماً على الذي أحسنُ» بضم النون، فجعلها صفة تفضيل ورفعها على خبر ابتداء مضمر تقديره «على الذي هو أحسن» وضعف أبو الفتح هذه القراءة لقبح حذف المبتدأ العائد، وقال بعض نحويي الكوفة يصح أن يكون ‏{‏أحسن‏}‏ صفة ل ‏{‏الذي‏}‏ من حيث قارب المعرفة إذ لا تدخله الألف واللام كما تقول العرب مررت بالذي خير منك ولا يجوز فالذي عالم، وخطأ الزجاج هذا القول الكوفي، و‏{‏تفصيلاً‏}‏ يريد بياناً وتقسيماً و‏{‏لعلهم‏}‏ ترج بالإضافة إلى البشر، و‏{‏بلقاء ربهم‏}‏ أي بالبعث الذي الإيمان به نهاية تصديق الأنبياء صلوات الله عليهم، إذ لا تلزمه العقول بذواتها وإنما ثبت بالسمع مع تجويز العقل له‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏155- 157‏]‏

‏{‏وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ‏(‏155‏)‏ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ ‏(‏156‏)‏ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ ‏(‏157‏)‏‏}‏

‏{‏هذا‏}‏ إشارة إلى القرآن، و‏{‏مبارك‏}‏ وصف بما فيه من التوسعات وإزالة أحكام الجاهلية وتحريماتها وجمع كلمة العرب وصلة أيدي متبعيه وفتح الله على المؤمنين به ومعناه منمي خيره مكثر، و«البركة» الزيادة والنمو، و‏{‏فاتبعوه‏}‏ دعاء إلى الدين، ‏{‏واتقوا‏}‏ الأظهر فيه أنه أمر بالتقوى العامة في جميع الأشياء بقرينة قوله ‏{‏لعلكم ترحمون‏}‏ و‏{‏أن‏}‏ من قوله ‏{‏أن تقولوا‏}‏ في موضع نصب، والعامل فيه ‏{‏أنزلناه‏}‏ والتقدير وهذا كتاب أنزلناه كراهية أن، وهذا أصح الأقوال وأضبطها للمعنى المقصود، وقيل العامل في ‏{‏أن‏}‏ قوله ‏{‏واتقوا‏}‏ فكأنه قال واتقوا أن تقولوا، وهذا تأويل يتخرج على معنى واتقوا أن تقولوا كذا، لأنه لا حجة لكم فيه، ويكن يعرض فيه قلق لقوله أثناء ذلك ‏{‏لعلكم ترحمون‏}‏ وفي التأويل الأول يتسق نظم الآية، و«الطائفتان» اليهود والنصارى بإجماع من المتأولين والدراسة القراءة والتعلم بها، و‏{‏إن‏}‏ في قوله ‏{‏وإن كنا‏}‏ مخففة من الثقيلة، واللام في قوله ‏{‏لغافلين‏}‏ لام توكيد، هذا مذهب البصريين وحكى سيبويه عن بعض العرب أنهم يخففونها ويبقونها على عملها، ومنه قراءة بعض أهل المدينة ‏{‏وإن كلاً‏}‏ وأما المشهور فإنها إذا خففت ترجع حرف ابتداء لا تعمل، وأما على مذهب الكوفيين ف ‏{‏إن‏}‏ في هذه الآية بمعنى ما النافية، واللام بمعنى إلا، فكأنه قال وما كنا عن دراستهم إلا غافلين‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ معنى هذه الآية إزالة الحجة عن أيدي قريش وسائر العرب بأنهم لم يكن لهم كتاب، فكأنه قال‏:‏ وهذا القرآن يا معشر العرب أنزل حجة عليكم لئلا تقولوا إنما أنزلت التوراة والإنجيل بغير لساننا على غيرنا، ونحن لم نعرف ذلك، فهذا كتاب بلسانكم ومع رجل منكم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو تقولوا‏}‏ جملة معطوفة على الجملة الأولى، وهي في غرضها من الاحتجاج على الكفار وقطع تعلقهم في الآخرة بأن الكتب لما انزلت على غيرهم وأنهم غافلون عن الدراسة والنظر في الشرع وأنهم لو نزل عليهم كتاب لكانوا أسرع إلى الهدى من الناس كلهم، فقيل لهم‏:‏ قد جائكم بيان من الله وهدى ورحمة، ولما تقرر أن البينة قد جاءت والحجة قد قامت حسن بعد ذلك أن يقع التقرير بقوله ‏{‏فمن أظلم ممن كذب‏}‏ بهذه الآيات البينات، ‏{‏وصدف‏}‏ معناه حاد وراغ وأعرض، وقرأ يحيى بن وثاب وابن أبي عبلة «كذَب» بتخفيف الذال، والجمهور «كذّب» بتشديد الذال، و‏{‏سنجزي الذين‏}‏ وعيد، وقرأت فرقة «يصدِفون» بكسر الدال وقرأت فرقة «يصدُفون» بضم الدال‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏158‏]‏

‏{‏هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ‏(‏158‏)‏‏}‏

الضمير في ‏{‏ينظرون‏}‏ هو للطائفة التي قيل لها قبل فقد جاءكم بينة من ربكم وهم العادلون بربهم من العرب الذين أمضت أكثر آيات السورة في جدالهم، و‏{‏ينظرون‏}‏ معناه ينتظرون، و‏{‏الملائكة‏}‏ هنا يراد بها ملائكة الموت الذين يصحبون عزرائيل المخصوص بقبض الأرواح، قاله مجاهد وقتادة وابن جريج‏.‏ ويحتمل أن يريد الملائكة الذين يتصرفون في قيام الساعة، وقرأ حمزة والكسائي «إلا أن يأتيهم» بالياء، وقرأ الباقون «تأتيهم» بالتاء من فوق، وقوله ‏{‏أو يأتي ربك‏}‏ قال الطبري‏:‏ لموقف الحساب يوم القيامة، وأسند ذلك إلى قتادة وجماعة من المتأولين، ويحكي الزجاج أن المراد بقوله ‏{‏أو يأتي ربك‏}‏ أي العذاب الذي يسلطه الله في الدنيا على من يشاء من عباده كالصيحات والرجفات والخسف ونحوه‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا الكلام على كل تأويل فإنما هو بحذف مضاف تقديره أمر ربك أو بطش ربك أو حساب ربك وإلا فالإتيان المفهوم من اللغة مستحيل في حق الله تعالى، ألا ترى أن الله تعالى يقول ‏{‏فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 2‏]‏ فهذا إتيان قد وقع وهو على المجاز وحذف المضاف، وقوله‏:‏ ‏{‏أو يأتي بعض آيات ربك‏}‏ أما ظاهر اللفظ لو وقفنا معه فيقتضي أنه توعدهم بالشهير الفظيع من أشراط الساعة دون أن يخص من ذلك شرطاً يريد بذلك الإبهام الذي يترك السامع مع أقوى تخيله، لكن لما قال بعد ذلك ‏{‏يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها‏}‏ وبينت الآثار الصحاح في البخاري ومسلم أن الآية التي معها هذا الشرط هي طلوع الشمس من المغرب، قوى أن الإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏أو يأتي بعض آيات ربك‏}‏ إنما هي إلى طلوع الشمس من مغربها، وقال بهذا التأويل مجاهد وقتادة والسدي وغيرهم، ويقوي أيضاً أن تكون الإشارة إلى غرغرة الإنسان عند الموت أو ما يكون في مثابتها لمن لم يغرغر‏.‏

ففي الحديث «أن توبة العبد تقبل مالم يغرغر»، وهذا إجماع لأن من غرغر وعاين فهو في عداد الموتى، وكون المرء في هذه الحالة من آيات الله تعالى، وهذا على من يرى الملائكة المتصرفين في قيام الساعة‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ فمقصد هذه الآية تهديد الكافرين بأحوال لا يخلون منها كأنه قال‏:‏ هل ينظرون مع إقامتهم على الكفر إلا الموت الذي لهم بعده أشد العذاب، والأخذات المعهودة لله عز وجل، أو الآيات التي ترفع التوبة وتعلم بقرب القيامة‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ويصح أن يريد بقوله‏:‏ ‏{‏أو يأتي بعض آيات ربك‏}‏ جميع ما يقطع بوقوعه من أشراط الساعة ثم خصص بعد ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏يوم يأتي بعض آيات ربك‏}‏ الآية التي ترفع التوبة معها، وقد بينت الأحاديث أنها طلوع الشمس من مغربها، وقرأ زهير الفرقبي «يومُ يأتي» بالرفع وهو على الابتداء والخبر في الجملة التي هي «لا ينفع» إلى آخر الآية، والعائد من الجملة محذوف لطول الكلام وقرأ ابن سيرين وعبد الله بن عمرو وأبو العالية «لا تنفع» بتاء، وأنث الإيمان بما أضيف إلى مؤنث‏.‏

أو لما نزل منزلة التوبة، وقال جمهور أهل التأويل كما تقدم الآية التي لا تنفع التوبة من الشرك أو من المعاصي بعدها، هي طلوع الشمس عن المغرب‏.‏

وروي عن ابن مسعود أنها إحدى ثلاث، إما طلوع الشمس من مغربها، وإما خروج الدابة، وإما خروج يأجوج ومأجوج‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ وهذا فيه نظر لأن الأحاديث ترده وتخصص الشمس‏.‏

وروي في هذا الحديث أن الشمس تجري كل يوم حتى تسجد تحت العرش وتستأذن فيؤذن لها في طلوع المشرق، وحتى إذا أراد الله عز وجل سد باب التوبة أمرها بالطلوع من مغربها، قال ابن مسعود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم، فتطلع هي والقمر كالبعيرين القرينين، ويقوي النظر أيضاً أن الغرغرة هي الآية التي ترفع معها التوبة، وقوله ‏{‏أو كسبت في إيمانها خيراً‏}‏ يريد جميع أعمال البر فرضها ونفلها، وهذا الفصل هو للعصاة المؤمنين كما قوله ‏{‏لم تكن آمنت من قبل‏}‏ هو للكفار، والآية المشار إليها تقطع توبة الصنفين، وقرأ أبو هريرة «أو كسبت في إيمانها صالحاً» وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل انتظروا‏}‏ الآية تتضمن الوعيد أي فسترون من يحق كلامه ويتضح ما أخبر به‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏159- 160‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ‏(‏159‏)‏ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ‏(‏160‏)‏‏}‏

قال ابن عباس والصحاب وقتادة‏:‏ المراد اليهود والنصارى أي فرقوا دين إبراهيم الحنيفية، وأضيف الذين إليهم من حيث كان ينبغي أن يلتزموه، إذ هو دين الله الذي ألزمه العباد، فهو دين جميع الناس بهذا الوجه ووصفهم «بالشيع» إذ كل طائفة منهم لها فرق واختلافات، ففي الآية حض لأمة محمد على الائتلاف وقلة الاختلاف، وقال أبو الأحوص وأم سملة زوج النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ الآية في أهل البدع والأهواء والفتن ومن جرى مجراهم من أمة محمد، أي فرقوا دين الإسلام، وقرأ علي بن أبي طالب وحمزة والكسائي «فارقوا» ومعناه تركوا، ثم بيّن قوله ‏{‏وكانوا شيعاً‏}‏ أنهم فرقوه أيضاً، والشيع جمع شيعة وهي الفرقة على مقصد ما يتشايعون عليه، وقوله ‏{‏لست منهم في شيء‏}‏ أي لا تشفع لهم ولا لهم بك تعلق، وهذا على الإطلاق في الكفار وعلى جهة المبالغة في العصاة والمتنطعين في الشرع، لأنهم لهم حظ من تفريق الدين، وقوله ‏{‏إنما أمرهم إلى الله‏}‏ إلى آخر الآية وعيد محض، والقرينة المتقدمة تقتضي أن أمرهم إلى الله فيه وعيد، كما أن القرينة في قوله ‏{‏فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 275‏]‏ تعطي أن في ذلك الأمر رجاء كأنه قال وأمره في إقبال وإلى خير، وقرأ النخعي والأعمش وأبو صالح «فرَقوا» بتخفيف الراء وقال السدي هذه آية لم يؤمر فيها بقتال وهي منسوخة بالقتال‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا كلام غير متقن فإن الآية خبر لا يدخله نسخ ولكنها تضمنت بالمعنى أمراً بموادعة فيشبه أن يقال إن النسخ وقع في ذلك المعنى الذي تقرر في آيات أخر‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏من جاء بالحسنة‏}‏ الآية‏.‏ قال أبو سعيد الخدري وعبد الله بن عمر‏:‏ هذه الآية نزلت في الأعراب الذين آمنوا بعد الهجرة فضاعف الله حسناتهم للحسنة عشر‏.‏ وكان المهاجرون قد ضوعف لهم الحسنة سبعمائة‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا تأويل يحتاج إلى سند يقطع العذر، وقالت فرقة‏:‏ هذه الآية لجميع الأمة، أي إن الله يضاعف الحسنة بعشرة ثم بعد هذا المضمون قد يزيد ما يشاء، وقد يزيد أيضاً على بعض الأعمال كنفقة الجهاد، وقال ابن مسعود ومجاهد والقاسم بن أبي بزة وغيرهم‏:‏ «الحسنة» لا إله إلا الله «والسيئة» الكفر‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذه هي الغاية من الطرفين، وقالت فرقة‏:‏ ذلك لفظ عام في جميع الحسنات والسيئات، وهذا هو الظاهر‏.‏ وأنث لفظ «العشر» لأن الأمثال ها هنا بالمعنى حسنات، ويحتمل أن الأمثال أنث لما أضيفت إلى مؤنث، وهو الضمير كما قال الشاعر‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ *** أعالِيهَا مَرّ الرياح النواسم

فأنث وقرأ الحسن وسعيد بن جبير وعيسى بن عمر والأعمش ويعقوب «فله عشرٌ» بالتنوين «أمثالُها» بالرفع‏.‏

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «الأعمال ست موجبة وموجبة ومضعفة ومضعفة ومثل ومثل، فلا إله إلا الله توجب الجنة‏.‏ والشرك يوجب النار، ونفقة الجهاد تضعف سبعمائة ضعف، والنفقة على الأهل حسنتها بعشرة، والسيئة جزاؤها مثلها، ومن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة مثلها»، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يظلمون‏}‏ أي لا يوضع في جزائهم شيء في غير موضعه، وتقدير الآية من جاء بالحسنة فله ثواب عشر أمثالها، والمماثلة بين الحسنة والثواب مترتبة إذا تدبرت، وقال الطبري قوله ‏{‏من جاء بالحسنة‏}‏ الآية، يريد من الذين فرقوا دينهم أي من جاء مؤمناً فله الجنة‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والقصد بالآية إلى العموم في جميع العالم أليق باللفظ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏161- 163‏]‏

‏{‏قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏161‏)‏ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏162‏)‏ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ‏(‏163‏)‏‏}‏

هذا أمر من الله عز وجل نبيه عليه السلام بالإعلان بشريعته والانتباه من سواها من أضاليلهم، ووصف الشريعة بماهي عليه من الحسن والفضل والاستقامة، و‏{‏هداني‏}‏ معناه أرشدني بخلق الهدى في قلبي‏.‏ والرب المالك، ولفظه مصدر من قولك ربه يربه، وإنما هو مثل عدل ورضى في أنه مصدر وصف به‏.‏ وأصله ذو الرب ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فقيل الرب‏.‏ و«الصراط» الطريق و‏{‏ديناً‏}‏ منصوب ب ‏{‏هداني‏}‏ المقدر الذي يدل عليه ‏{‏هداني‏}‏ الأول، وهذا الضمير إنما يصل وحده دون أن يحتاج إلى إضمار إلى‏.‏ إذ هدى يصل بنفسه إلى مفعوله الثاني وبحرف الجر، فهو فعل متردد وقيل نصب ‏{‏ديناً‏}‏ فعل مضمر تقديره عرفني ديناً‏.‏ وقيل تقديره فاتبعوا ديناً فالزموا ديناً، وقيل نصب على البدل من ‏{‏صراط‏}‏ على الموضع، أن تقديره هداني ربي صراطاً مستقيماً، و‏{‏قيماً‏}‏ نعت للدين، ومعناه مستقيماً معتدلاً‏.‏ وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «قَيِّماً» بفتح القاف وكسر الياء وشدها‏.‏ وأصله قيوم عللت كتعليل سيد وميت، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي «قِيَماً» بكسر القاف وفتح الياء على وزن فعل، وكأن الأصل أن يجيء فيه قوماً كعوض وحول إلا أنه شذ كشذوذ قولهم جياد في جمع جواد وثيرة في جمع ثور، و‏{‏ملة‏}‏ بدل من الدين، والملة الشريعة و‏{‏حنيفاً‏}‏ نصب على الحال من ‏{‏إبراهيم‏}‏، والحنف في كلام العرب الميل فقد يكون الميل إلى فساد كحنف الرجل‏.‏

وكقوله ‏{‏فمن خاف من موص حنفاً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 182‏]‏ على قراءة من قرأ بالحاء غير المنقوطة ونحو ذلك‏.‏ وقد يكون الحنف إلى الصلاح كقوله عليه السلام‏:‏ «الحنيفية السمحة» و«الدين الحنيف» ونحوه، وقال ابن قتيبة‏:‏ الحنف الاستقامة وإنما سمي الأحنف في الرجل على جهة التفاؤل له‏.‏ ‏{‏وما كان من المشركين‏}‏ نفي للنقيصة عنه صلى الله عليه وسلم، وقوله ‏{‏قل إن صلاتي‏}‏ الآية، أمر من الله عز وجل أن يعلن بأن مقصده في صلاته وطاعته من ذبيحة وغيرها وتصرفه مدة حياته وحاله من الإخلاص والإيمان عند مماته إنما هو لله عز وجل وإرادة وجهه طلب رضاه، وفي إعلان النبي صلى الله عليه وسلم بهذه المقالة ما يلزم المؤمنين التأسي به حتى يلتزموا في جميع أعمالهم قصد وجه الله عز وجل، ويحتمل أن يريد بهذه المقالة أن صلاته ونسكه وحياته وموته بيد الله عز وجل يصرفه في جميع ذلك كيف شاء وأنه قد هداه من ذلك إلى صراط مستقيم، ويكون قوله ‏{‏بذلك أمرت‏}‏ على هذا التأويل راجعاً إلى قوله ‏{‏لا شريك له‏}‏ فقط أو راجعاً إلى القول الأول وعلى التأويل الأول يرجع على جميع ما ذكر من صلاة وغيرها، أي أمرت بأن أقصد وجه الله عز وجل في ذلك وأن التزم العمل، وقررأ جمهور الناس «ونسُكي» بضم السين، وقرأ أبو حيوة والحسن بإسكان السين، وقالت فرقة «النسك» في هذه الآية الذبائح‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ويحسن تخصيص الذبيحة بالذكر في هذه الآية أنها نازلة قد تقدم ذكرها والجدل فيها في السورة، وقالت فرقة‏:‏ «النسك» في هذه الآية جميع أعمال الطاعات من قولك نسك فلان فهو ناسك إذا تعبد، وقرأ السبعة سوى نافع و«محيايَ ومماتي» بفتح الياء من «محياي» وسكونها من «مماتي» وقرأ نافع وحده و«محياي» بسكون الياء من «محياي»، قال أبو علي الفارسي وهي شاذة في القياس لأنها جمعت بين ساكنين، وشاذة في الاستعمال ووجهها أنه قد سمع من العرب التقت حلقتا البطان ولفلان ثلثا المال، وروى أبو خليد عن نافع و«محيايِ» بكسر الياء، وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى والجحدري و«محيي»، وهذه لغة هذيل ومنه قول أبي ذؤيب‏:‏

سبقوا هويَّ وأعنقوا لهواهم *** فتصرعوا ولكل جنب مصرع

وقرأ عيسى بن عمر «صلاتيَ ونسكيَ ومحيايَ ومماتيَ» بفتح الياء فيهن وروي ذلك عن عاصم‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأنا أول المسلمين‏}‏ أي من هذه الأمة، وقال النقاش من أهل مكة‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والمعنى واحد بل الأول أعم وأحسن وقرأت فرقة «وأنا» بإشباع الألف وجمهور القراء على القراءة «وأنا» دون إشباع، وهذا كله في الوصل‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وترك الإشباع أحسن لأنها ألف وقف فإذا اتصل الكلام استغنى عنها لا سيما إذا وليتها همزة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏164- 165‏]‏

‏{‏قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ‏(‏164‏)‏ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏165‏)‏‏}‏

حكى النقاش أنه روي أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ارجع يا محمد إلى ديننا واعبد آلهتنا واترك ما أنت عليه ونحن نتكفل لك بكل تباعة تتوقعها في دنياك وآخرتك، فنزلت هذه الآية، وهي استفهام يقتضي التقرير والتوقيف والتوبيخ، و‏{‏أبغي‏}‏ معناه أطلب، فكأنه قال‏:‏ أفيحسن عندكم أن أطلب إلهاً غير الله الذي هو رب كل شيء‏؟‏ وما ذكرتم من كفالتكم لا يتم لأن الأمر ليس كما تظنونه، وإنما كسب كل نفس من الشر والإثم عليها وحدها ‏{‏ولا تزر‏}‏ أي لا تحمل وازرة أي حامله حمل أخرى وثقلها، والوزر أصله الثقل، ثم استعمل في الإثم لأنه ينقض الظهر تجوزاً واستعارة، يقال منه‏:‏ وزر الرجل يزر فهو وازر ووزر يوزر فهو موزور، وقوله ‏{‏ثم إلى ربكم مرجعكم‏}‏ تهديد ووعيد ‏{‏فينبئكم‏}‏ أي فيعلمكم أن العقاب على الاعوجاج تبيين لموضع لحق، وقوله ‏{‏بما كنتم فيه تختلفون‏}‏ يريد على ما حكى بعض المتأولين من أمري في قول بعضكم هو ساحر وبعضكم هو شاعر‏.‏ وبعضكم افتراه، وبعضكم اكتتبه ونحو هذا‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا التأويل يحسن في هذا الموضع وإن كان اللفظ يعم جميع أنواع الاختلافات من الأديان والملل والمذاهب وغير ذلك، و‏{‏خلائف‏}‏ جمع خليفة أي يخلف بعضكم بعضاً‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا يتصور في جميع الأمم وسائر أصناف الناس، لأن من أتى خليفة لمن مضى ولكنه يحسن في أمة محمد عليه السلام أن يسمى أهلها بجملتهم خلائف للأمم، وليس لهم من يخلفهم إذ هم آخر الأمم وعليهم قيام الساعة‏.‏

وروى الحسن بن أبي الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله»، ويروى أنتم آخرها وأكرمها على الله‏:‏ وقوله ‏{‏ورفع بعضكم فوق بعض درجات‏}‏ لفظ عام في المال والقوة والجاه وجودة النفوس والأذهان وغير ذلك، وكل ذلك إنما هو ليختبر الله تعالى الخلق فيرى المحسن من المسيء، ولما أخبر عز وجل بهذا ففسح للناس ميدان العمل وحضهم على الاستباق إلى الخير توعّد ووعد تخويفاً منه وترجية، فقال ‏{‏إن ربك سريع العقاب‏}‏ وسرعة عقابه إما بأخذاته في الدنيا، وإما بعقاب الآخرة، وحسن أن يوصف عقاب الآخرة ب ‏{‏سريع‏}‏ لما كان متحققاً مضمون الإتيان والوقوع، فكل آت يحكم عليه بالقرب ويوصف به ‏{‏وإنه لغفور رحيم‏}‏ ترجية لمن أذنب وأراد التوبة، وهذا في كتاب الله كثير اقتران الوعيد بالوعد لطفاً من الله تعالى بعباده‏.‏

سورة الأعراف

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏المص ‏(‏1‏)‏ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ‏(‏2‏)‏ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏3‏)‏‏}‏

تقدم القول في تفسير الحروف المقطعة التي في أوائل السورة وذكر اختلاف المتأولين فيها، ويختص هذا الموضع زائداً على تلك الأقوال بما قاله السدي‏:‏ إن ‏{‏آلمص‏}‏ هجاء اسم الله هو المصور، وبقول زيد بن علي إن معناه أنا الله الفاضل‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كتاب أنزل إليك‏}‏ الآية، قال الفراء وغيره ‏{‏كتاب‏}‏ رفع على الخبر للحروف، كأنه قال هذه الحروف كتاب أنزل إليك، ورد الزجّاج على هذا القول بما لا طائل فيه، وقال غيره‏:‏ ‏{‏كتاب‏}‏ رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره هذا كتاب و‏{‏أنزل إليك‏}‏ في موضع الصفة ل ‏{‏كتاب‏}‏، ثم نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يبرم أو يستصحب من هذا الكتاب أو بسبب من أسبابه حرجاً، ولفظ النهي هو للحرج ومعناه للنبي عليه السلام، وأصل الحرج الضيق، ومنه الحرجة الشجر الملتف الذي قد تضايق، و«الحرج» ها هنا يعم الشك والخوف والهم وكل ما يضيق الصدر، وبحسب سبب الحرج يفسر الحرج ها هنا، وتفسيره بالشك قلق، والضمير في ‏{‏منه‏}‏ عائد على الكتاب أي بسبب من أسبابه، و«من» ها هنا لابتداء الغاية، وقيل يعود على التبليغ الذي يتضمنه معنى الآية، وقيل على الابتداء‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا التخصيص كله لا وجه له إذ اللفظ يعم الجهات التي هي من سبب الكتاب ولأجله وذلك يستغرق التبليغ والإنذار وتعرض المشركين وتكذيب المكذبين وغير ذلك‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا يكن في صدرك حرج منه‏}‏ اعتراض في أثناء الكلام، ولذلك قال بعض الناس إن فيه تقديماً وتأخيراً، وقوله ‏{‏لتنذر‏}‏ اللام متعلقة ب ‏{‏أنزل‏}‏‏.‏ وقوله ‏{‏وذكرى‏}‏ معناه تذكرة وإرشاد، و‏{‏ذكرى‏}‏ في موضع رفع عطفاً على قوله ‏{‏كتاب‏}‏‏.‏ فالتقدير هذه الحروف كتاب وذكرى، وقيل رفعه على جهة العطف على صفة الكتاب فالتقدير هذه الحروف كتاب منزل إليك وذكرى، فهي عطف على منزل داخلة في صفة الكتاب، وقيل ‏{‏ذكرى‏}‏ في موضع نصب بفعل مضمر تقديره لتنذر به وتذكر ذكرى للمؤمنين، وقيل نصبها على المصدر وقيل ‏{‏ذكرى‏}‏ في موضع خفض عطفاً على قوله ‏{‏لتنذر‏}‏ أي لإنذارك وذكرى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم‏}‏ الآية، قال الطبري وحكاه‏:‏ التقدير قل اتبعوا فحذف القول لدلالة الإنذار المتقدم الذكر عليه، وقالت قوله اتبعوا أمر يعم النبي صلى الله عليه وسلم وأمته‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والظاهر أن يكون أمراً لجميع الناس أي اتبعوا ملة الإسلام والقرآن، وقرأ الجحدري «ابتغوا ما أنزل»، من الابتغاء، وقرأ مجاهد «ولا تبتغوا» من الابتغاء أيضاً، وقوله ‏{‏أولياء‏}‏ يريد كل ما عبد واتبع من دون الهل كالأصنام والأحبار والكهان والنار والكواكب وغير ذلك، والضمير في قوله ‏{‏من دونه‏}‏ راجع على ‏{‏ربكم‏}‏، هذا أظهر وجوهه وأبينها، وقيل يعود على قوله ‏{‏اتبعوا ما‏}‏، وقيل يعود على الكتاب المتقدم الذكر، و‏{‏قليلاً‏}‏ نعت لمصدر نصب بفعل مضمر، وقال مكي هو منصوب بالفعل الذي بعده، قال الفارسي و‏{‏ما‏}‏ في قوله ‏{‏ما تذكرون‏}‏ موصولة بالفعل وهي مصدرية، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر «تذّكّرون» بتشديد الذال والكاف، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في روياة حفص «تَذّكرون» بتخفيف الذال وتشديد الكاف، وقرأ ابن عامر «يتذكرون» بالياء كناية عن غيب، وروي عنه إنه قرأ «تتذكرون» بتاءين على مخاطبة حاضرين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 7‏]‏

‏{‏وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ‏(‏4‏)‏ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ‏(‏5‏)‏ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏6‏)‏ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏كم‏}‏ في موضع رفع بالابتداء والخبر ‏{‏أهلكناها‏}‏، ويصح أن يكون الخبر في قوله ‏{‏فجاءها‏}‏ و‏{‏أهلكناها‏}‏ صفة، ويصح أن تكون في موضع نصب بفعل مقدر بعدها تقديره وكم أهلكنا من قرية أهلكناها، وقدر الفعل بعدها- وهي خبرية- تشبيهاً لها بالاستفهامية في أن لها في كل حال صدر الكلام، وقالت فرقة المراد وكم من أهل قرية وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقام المضاف، وقالت فرقة إنما عبر بالقرية لأنها أعظم في العقوبة إذا هلك البشر وقريتهم، وقد بين في آخر الآية بقوله ‏{‏أوهم‏}‏ أن البشر داخلون في الهلاك، فالآية على هذا التأويل تتضمن هلاك القرية وأهلها جميعاً، وعلى التأويل الأول تتضمن هلاك الأهل ولا معنى لذكر القرية، والمراد بالآية التكثير، وقرأ ابن أبي عبلة‏:‏ «وكم من قرية أهلكناهم فجاءهم بأسنا»‏.‏ وقوله ‏{‏فجاءها‏}‏ يقتضي ظاهره أن المجيء بعد الإهلاك، وذلك، وذلك مستحيل فلم يبق إلا أن يعدل على ظاهر هذا التعقيب فقيل الفاء قد تجيء بمنزلة الواو ولا تعطى رتبة‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا ضعيف وقيل عبر عن إرادة الإهلاك بالإهلاك، قال مكي في المشكل‏:‏ مثل قوله ‏{‏فإذا قرأت القرآن فاستعذ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 98‏]‏‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا يحتج به في تأويل من قال الفاء في هذه الآية لتعقيب القول، وقيل المعنى «أهلكناها» بالخذلان وقلة التوفيق فجاءها بأسنا بعد ذلك، وقال الفراء وحكاه الطبري أن الإهلاك هو مجيء البأس ومجيء البأس هو الإهلاك فلما تلازما لم يبال أيهما قدم في الرتبة، وقيل إن الفاء لترتيب القول فقط فكأنه أخبر عن قرى كثيرة أنه أهلكها ثم قال فكان من أمرها مجيء البأس‏.‏

و ‏{‏بياناً‏}‏ نصب على المصدر في موضع الحال، و‏{‏قائلون‏}‏ من القائلة، وإنما خص وقتي الدعة والسكون لأن مجيء العذاب فيهما أفظع وأهول لما فيه من البغت والفجأة، و‏{‏أو‏}‏ في هذا الموضع كما تقول‏:‏ الناس في فلان صنفان حامد أو ذام، فكأنه قال جاءهم بأسنا فرقتين بائتين أو قائلين، وهذا هو الذي يسمى اللف، وهو إجمال في اللفظ يفرقه ذهن المخاطب دون كلفة، والبأس‏:‏ العذاب، وقيل‏:‏ المراد أو وهم قائلون فكره اجتماع حرفي العطف فحذفت الواو وهذا تكلف لأن معنى اللف باق‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فما كان دعواهم‏}‏ الآية، تبين في هذه الآية غاية البيان أن المراد في الآية قبلها أهل القرى، والدعوى في كلام العرب لمعنيين، أحدهما الدعاء قال الخليل‏:‏ تقول اللهم أشركنا في صالح دعوى المسلمين ومنه قول عز وجل‏:‏ ‏{‏فما زالت تلك دعواهم‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 15‏]‏‏.‏

ومنه قول الشاعر ‏[‏الطويل‏]‏

وإن مَذِلَتْ رجلي دعوتك أشتفي *** بدعواك من مذل بها فيهونُ

والثاني الادعاء، فقال الطبري‏:‏ هي في هذا الموضع بعنى الدعاء‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ويتوجه أن يكون أيضاً بمعنى الادعاء، لأن من ناله مكروه أو حزبه حادث فمن شأنه أن يدعو كما ذهب إليه المفسرون في فعل هؤلاء المذكورين في هذه الآية، ومن شأنه أيضاً أن يدعي معاذير وأشياء تحسن حاله وتقيم حجته في زعمه، فيتجه أن يكون هؤلاء بحال من يدعي معاذير ونحوها، فأخبر الله عنهم أنهم لم تكن لهم دعوى ثم استثنى من غير الأول، كأنه قال لم يكن دعاء أو ادعاء إلا الإقرار والاعتراف، أي هذا كان بدل الدعاء أو الادعاء، وتحتمل الآية أن يكون المعنى فما آلت دعواهم التي كانت في حال كفرهم إلا إلى اعتراف، ونحو من الآية قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الفرزدق‏]‏

وقد شهدت قيس فما كان نصرها *** قتيبة إلا عضها بالأباهم

واعترافهم وقولهم ‏{‏إنا كنا ظالمين‏}‏ هو في المدة بين ظهور العذاب إلى إتيانه على أنفسهم، وفي ذلك مهلة بحسب نوع العذاب تتسع لهذه المقالة وغيرها، وروى ابن مسعود عن النبي عليه السلام أنه قال «ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم»‏.‏ وفسر عبد الملك بن ميسرة هذا الحديث بهذه الآية‏.‏ و‏{‏دعواهم‏}‏ خبر كان، واسمها ‏{‏إلا أن قالوا‏}‏ وقيل بالعكس‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلنسئلن الذين أرسل إليهم‏}‏ الآية وعيد من الله عز وجل لجميع العالم، أخبر أنه يسأل الأمم أجمع عما بلغ إليهم عنه وعن جميع أعمالهم ويسأل النبيين عما بلغوا‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وقد نفي السؤال في آيات وذلك هو سؤال الاستفهام الحقيقي وقد أثبت في آيات كهذه الآية وهذا هو سؤال التقرير، فإن الله قد أحاط علماً بكل ذلك قبل السؤال فأما الأنبياء والمؤمنون فيعقبهم جوابهم رحمة وكرامة، وأما الكفار ومن نفذ عليه الوعيد من العصاة فيعقبهم جوابهم عذاباً وتوبيخاً، فمن أنكر منهم قص عليه بعلم، وقرأ ابن مسعود ابن عباس «فلنسألن الذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا ولنسألن المرسلين»‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلنقصن‏}‏ أي فلنسردن عليهم أعمالهم قصة قصة، ‏{‏بعلم‏}‏ أي بحقيقة ويقين، قال ابن عباس‏:‏ يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ يشبه أن يكون الكلام هنا استعارة إذ كل شيء فيه مقيد، ‏{‏وما كنا غائبين‏}‏ أي ما كنا من لا يعلم جميع تصرفاتهم كالغائب عن الشيء الذي لا يعرف له حالاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 9‏]‏

‏{‏وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏8‏)‏ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ‏(‏9‏)‏‏}‏

‏{‏الوزن‏}‏ مصدر وزن يزن، ورفعه بالابتداء و‏{‏الحق‏}‏ خبره، و‏{‏يومئذ‏}‏ ظرف منتصب ب ‏{‏الوزن‏}‏ ويصح أن يكون ‏{‏يؤمئذ‏}‏ خبر الابتداء، و‏{‏الحق‏}‏ نعت ل ‏{‏الوزن‏}‏ والتقدير الوزن الحق ثابت أو ظاهر يومئذ، و‏{‏يومئذ‏}‏ إشارة إلى يوم القيامة، والفصل بين الخلائق، واختلف الناس في معنى الوزن والموازين فقالت فرقة‏:‏ إن الله عز وجل أراد أن يعلم عباده أن الحساب والنظر يوم القيامة هو في غاية التحرير ونهاية العدل فمثل لهم في ذلك بالوزن والميزان إذ لا يعرف البشر أمراً أكثر تحريراً منه، فاستعير للعدل وتحرير النظر لفظة الوزن والميزان كما استعار ذلك أبو طالب في قوله‏:‏

بميزان قسط لا يخس شعيرة *** له حاكم من نفسه غير عائل

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا القول أصح من الأول من جهات، أولها أن ظواهر كتاب الله عز وجل تقتضيه وحديث الرسول عليه السلام ينطق به، من ذلك‏:‏ قوله لبعض الصحابة وقد قال له يا رسول الله أين أجدك في القيامة‏؟‏ فقال «اطلبني عند الحوض فإن لم تجدني فعند الميزان»، ولو لم يكن الميزان مرئياً محسوساً لما أحاله رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطلب عنده، وجهة أخرى أن النظر في الميزان والوزن والثقل والخفة المقترنات بالحساب لا يفسد شيء منه ولا تختل صحته، وإذا كان الأمر كذلك فلم نخرج من حقيقة اللفظ إلى مجازه دون علة‏؟‏ وجهة ثالثة وهي أن القول في الميزان هو من عقائد الشرع الذي لم يعرف إلا سمعاً، وإن فتحنا فيه باب المجاز غمرتنا أقوال الملحدة والزنادقة في أن الميزان والصراط والجنة والنار والحشر ونحو ذلك إنما هي ألفاظ يراد بها غير الظاهر‏.‏

وروي هذا القول عن مجاهد والضحاك وغيره، وكذلك استعير على قولهم الثقل والخفة لكثرة الحسنات وقلتها، وقال جمهور الأمة‏:‏ إن الله عز وجل أراد أن يعرض لعباده يوم القيامة تحرير النظر وغاية العدل بأمر قد عرفوه في الدنيا وعهدته أفهامهم، فميزان القيامة له عمود وكفتان على هيئة موازين الدنيا، قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه‏:‏ صاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه السلام، وقالوا‏:‏ هذا الذي اقتضاه لفظ القرآن ولم يرده نظر‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ فينبغي أن يجري في هذه الألفاظ إلى حملها على حقائقها، وأما «الثقل» و«الخفة» فإن الآثار تظاهرت بأن صحائف الحسنات والسيئات توضع في كفتي الميزان فيحدث الله في الجهة التي يريد ثقلاً وخفة على نحو إحداثه ذلك في جسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت نزول الوحي عليه، ففي الصحيح من حديث زيد بن ثابت أنه قال‏:‏ كنت أكتب حتى نزلت

‏{‏غير أولي الضرر‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 95‏]‏ وفخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي حتى كادت أن ترض فخذي، وفي الحديث أنه كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته بركت به عجزاً عن حمله لثقل الحادث فيه، ولا بد لنا أن نعلم أن الثقل الحادث مع الحسنات إنما يتعلق بجسم، إذ العرض لا يقول بالعرض، فجائز أن يحدث الثقل في الصحائف وهو أقربها إلى الظن، وجائز أن يحدث في ذلك من الأجسام المجاورة لتلك الحال، وإلى حدوثه في الصحائف ذهب أبو المعالي، ورويت في خبر الميزان آثار عن صحابة وتابعين في هيئته وطوله وأحواله لم تصح بالإسناد، فلم نر للإطالة بها وجهاً، وقال الحسن فيما روي عنه‏:‏ بلغني أن لكل أحد يوم القيامة ميزاناً على حدة‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا قول مردود الناس على خلافه، وإنما لكل أحد وزن يختص به والميزان واحد، وروي عن مجاهد في قوله ‏{‏ثقلت موازينه‏}‏ أن «الموازين» الحسنات نفسها‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وجمع لفظ «الموازين» إذ في الميزان موزونات كثيرة فكأنه أراد التنبيه عليها بجمعه لفظ الميزان‏.‏ و‏{‏المفلحون‏}‏ في اللغة المدركون لبغيتهم الناجحون في طلبهم ومنه قول عبيد‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

أفلحْ بما شئت فقد يبلغ بالضْ *** ضَعف وقد يُخْدَعُ الأريبُ

فأما قول الشاعر‏:‏ ‏[‏المنسرح‏]‏

والمسْي والصبح لا فلاح معهْ *** فقد قيل إنه بمعنى البقاء‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والبقاء بلوغ بغية بلوغ بغية فالمعنيان متقاربان، ووزن الله تعالى أعمال العباد مع علمه بدقائق الأشياء وجلائلها نظير كتبه أعمالهم في صحائفهم واستنتساخه ذلك ونظير استنطاقه جوارحهم بالشهادة عليهم إقامة للحجة وإيضاحاً، فقد تقرر في الشرع أن كلمة التوحيد ترجح ميزان من وزنت في أعماله ولا بد، فإن قال قائل كيف تثقل موازين العصاة من المؤمنين بالتوحيد ويصح لهم حكم الفلاح ثم تدخل طائفة منهم النار وذلك شقاء لا محالة‏؟‏ فقالت طائفة إنه توزن أعمالهم دون التوحيد فتخف الحسنات فيدخلون النار ثم عند إخراجهم يوزن التوحيد فتثقل الحسنات فيدخلون الجنة، وأيضاً فمعرفة العاصي أنه غير مخلد فلاح وإن تقدمه شقاء على جهة التأديب‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن خفت موازينه‏}‏ الآية، المعنى من خفت كفة حسناته فشالت، و‏{‏خسروا أنفسهم‏}‏ أي بالهلاك والخلود في النار وتلك غاية الخسارة، وقوله‏:‏ ‏{‏بما كانوا‏}‏ أي جزاء بذلك كما تقول أكرمتك بما أكرمتني، و«ما» في هذا الموضع مصدرية، و«الآيات» هنا البراهين والأوامروالنواهي و‏{‏يظلمون‏}‏ أي يضعونها في غير مواضعها بالكفر والتكذيب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏10- 11‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ‏(‏10‏)‏ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

الخطاب لجميع الناس، والمراد أن النوع بجملته ممكن في الأرض، و«المعايش» جمع معيشة وهي لفظة تعم المأكول الذي يعاش به والتحرف الذي يؤدي إليه، وقرأ الجمهور «معايِش» بكسر الياء دون همز، وقرأ الأعرج وغيره «معائش» بالهمز كمدائن وسفائن، ورواه خارجة عن نافع، وروي عن ورش «معايْش» بإسكان الياء، فمن قرأ «معايش» بتصحيح الياء فهو الأصوب لأنها جمع معيشة وزنها مفعلة، ويحتمل أن تكون مفعُلة بضم العين قالهما سيبويه، وقال الفراء مفعلة بفتح العين فالياء في معيشة أصلية وأعلت معيشة لموافقتها الفعل الذي هو يعيش في الياء أي في المتحرك والساكن، وصححت «معايِش» في جمع التكسير لزوال الموافقة المذكورة في اللفظ ولأن التكسير معنى لا يكون في الفعل إنما تختص به الأسماء، ومن قرأ «معايْش» فعلى التخفيف من «معايِش»، وقرأ «معائِش» فأعلها فذلك غلط، وأما توجيهه فعلى تشبيه الأصل بالزائد لأن معيشة تشبه في اللفظ صحيفة فكما يقال صحائف قيل «معائِش»، وإنما همزت ياء صحائف ونظائرها مما الياء فيه زائدة لأنها لا أصل لها في الحركة وإنما وزنها فعيلة ساكنة، فلما اضطر إلى تحريكها في الجمع بدلت بأجلد منها‏.‏

و ‏{‏قليلاً‏}‏ نصب ب ‏{‏تشكرون‏}‏، ويحتمل أن تكون ‏{‏ما‏}‏ زائدة، ويحتمل أن تكون مع الفعل بتأويل المصدر، ‏{‏قليلاً‏}‏ نعت لمصدر محذوف تقديره شكراً قليلاً شكركم، أو شكراً قليلاً تشكرون‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد خلقناكم ثم صورناكم‏}‏ الآية، هذه الآية معناها التنبيه على موضع العبرة والتعجيب من غريب الصنعة وإسداء النعمة، فبدأ بالخلق الذي هو الإيجاد بعد العدم ثم بالتصوير في هذه البنية المخصوصة للبشر، وإلا فلم يعر المخلوق قط من صورة، واضطراب الناس في ترتيب هذه الآية لأن ظاهرها يقتضي أن الخلق والتصوير لبني آدم قبل القول للملائكة أن يسجدوا، وقد صححت الشريعة أن الأمر لم يكن كذلك، فقالت فرقة‏:‏ المراد بقوله‏:‏ ‏{‏ولقد خلقناكم ثم صورناكم‏}‏ آدم بنفسه وإن كان الخطاب لبنيه، وذلك لما كان سبب وجود بنيه بما فعل فيه صح مع تجوز أن يقال إنه فعل في بنيه، وقال مجاهد‏:‏ المعنى ‏{‏ولقد خلقناكم ثم صورناكم‏}‏ في صلب آدم وفي وقت استخراج ذرية آدم من ظهره أمثال الذر في صورة البشر‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ويترتب في هذين القولين أن تكون ‏{‏ثم‏}‏ على بابها في الترتيب والمهلة، وقال عكرمة والأعمش‏:‏ المراد خلقناكم في ظهور الآباء وصورناكم في بطون الأمهات‏.‏ وقال ابن عباس والربيع بن أنس‏:‏ أما ‏{‏خلقناكم‏}‏ فآدم وأما ‏{‏صورناكم‏}‏ فذريته في بطون الأمهات، وقاله قتادة والضحاك‏.‏

وقال معمر بن راشد من بعض أهل العلم‏:‏ بل ذلك كله في بطون الأمهات، من خلق وتصوير‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وقالت هذه الفرقة إن ‏{‏ثم‏}‏ لترتيب الأخبار بهذه الجمل لا لترتيب الجمل في أنفسها‏.‏ وقال الأخفش ‏{‏ثم‏}‏ في هذه الآية بمعنى الواو، ورد عليه نحويو البصرة‏.‏

و «ملائكة» وزنه إما مفاعلة وإما معافلة بحسب الاشتقاق الذي قد مضى ذكره في سورة البقرة، وهنالك ذكرنا هيئة السجود والمراد به ومعنى إبليس وكيف كان قبل المعصية، وأما قوله في هذه الآية ‏{‏إلا إبليس‏}‏ فقال الزجّاج هو استثناء ليس من الأول ولكن إبليس أمر بالسجود بدليل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما منعك ألآ تسجد إذ أمرتك‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 12‏]‏ وقال غير الزجّاج‏:‏ الاستثناء من الأول لأنّا لو جعلناه منقطعاً على قول من قال إن إبليس لم يكن من الملائكة لوجب أن إبليس لم يؤمر بالسجود، إلا أن يقول قائل هذه المقالة إن أمر إبليس كان بوجه آخر غير قوله‏:‏ ‏{‏اسجدوا‏}‏ وذلك بيّن الضعف‏.‏ وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «للملائكةُ اسجدوا» بضم الهاء وهي قراءة ضعيفة‏.‏ ووجهها أنه حذف همزة ‏{‏اسجدوا‏}‏ وألقى حركتها عن الهاء، وذلك لا يتجه لأنها محذوفة مع جر الهاء بحركة، أي شيء يلغى إنما يكون في الوصل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 16‏]‏

‏{‏قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ‏(‏12‏)‏ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ‏(‏13‏)‏ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ‏(‏14‏)‏ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ‏(‏15‏)‏ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏ما‏}‏ استفهام والمقصود به التوبيخ والتقريع، و‏{‏لا‏}‏ في قوله «أن لا» قيل هي زائدة، والمعنى ما منعك أن تسجد وهي ك «لا» في قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

أبى جودُه لا البخلَ واسْعْجَلَتْ به *** نَعَمْ من فتى لا يمنعُ الجود قاتله

وهذا على أحد الأقوال في هذا البيت فقيل «لا» فيه زائدة‏.‏ وقال الزجّاج‏:‏ مفعولة والبخل بدل منها، وحكى الطبري عن يونس عن أبي عمرو بن العلاء‏:‏ أن الرواية فيه لا البخل بخفض اللام لأن «لا» قد تتضمن جوداً إذا قالها من أمر بمنع الحقوق والبخل عن الواجبات‏.‏ ومن الأبيات التي جاءت لا فيها زائدة قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

افَعَنْكِ لا بَرْق كأنّ وميضه *** غاب تسنمه ضرام مثقبُ

وقيل في الآية ليست لا زائدة، وإنما المعنى ما منعك فأحوجك أن تسجد، وقيل‏:‏ لما كان ‏{‏ما منعك‏}‏ بمعنى من أمرك ومن قال لك حسن أن يقول بعدها ‏{‏ألا تسجد‏}‏‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وجملة هذا الغرض أن يقدر في الكلام فعل يحسن حمل النفي عليه، كأنه قال ما أحوجك أو حملك أو اضطرك، وجواب إبليس اللعين ليس عما سئل عنه ولكنه جاء بكلام يتضمن الجواب والحجة عليه، فكأنه قال‏:‏ منعني فضلي إذ أنا خير منه حين خلقتني من نار وخلقته من طين‏.‏ وروي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ لا أسجد وأنا خير منه وأكبر سناً وأقوى خلقاً، يقول إن النار أقوى من الطين وظن إبليس أن النار أفضل من الطين وليس كذلك بل هي في درجة واحدة من حيث هي جماد مخلوق، فلما ظن إبليس أن صعود النار وخفتها يقتضي فضلاً على سكون الطين وبلادته قاس أن ما خلق منها أفضل مما خلق في النار من الطيش والخفة والاضطراب، وفي الطين من الوقار والأناة والحمل والتثبيت‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وفي كلام الطبري نظر، وروي عن الحسن وابن سيرين أنهما قالا‏:‏ أول من قاس إبليس وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ قال الطبري يعنيان الخطأ ولا دليل من لفظهما عليه ولا يتأول عليهما إنكار القياس، وإنما خرج كلامهما نهياً عما كان في زمنهما من مقاييس الخوارج وغيرهم، فأرادا حمل الناس على الجادة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاهبط منها‏}‏ الآية، أمر من الله عز وجل لإبليس بالهبوط في وقت عصيانه في السجود، فيظهر من هذا أنه إنما أهبط أولاً وأخرج من الجنة وصار في السماء، لأن الأخبار تظاهرت أنه أغوى آدم وحواء من خارج الجنة ثم أمر آخراً بالهبوط من السماء مع آدم وحواء والحية‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا كله بحسب ألفاظ القصة والله أعلم‏.‏

وقوله ‏{‏فما يكون لك‏}‏ معناه فما يصح لك ولا يتم، وليس يقتضي هذا اللفظ أن التكبر له في غيرها على ما ذهب إليه بعض المعترضين، تضمنت الآية أن الله أخبر إبليس أن الكبرياء لا يتم له ولا يصح في الجنة مع نهيه له ولغيره عن الكبرياء في كل موضع وأما لو أخذنا ‏{‏فما يكون‏}‏ على معنى فما يحسن وما يجمل كما تقول للرجل ما كان لك أن لا تصل قرابتك لغير معنى الإغلاط على إبليس، وقوله‏:‏ ‏{‏إنك من الصاغرين‏}‏ حكم عليه بضد المعصية التي عصى بها وهي الكبرياء فعوقب بالحمل عليه بخلاف شهوته وأمله، والصغار الذل قاله السدي‏.‏

ثم سأل إبليس ربه أن يؤخره إلى يوم البعث طمع أن لا يموت، إذ علم أن الموت ينقطع بعد البعث ومعنى ‏{‏أنظرني‏}‏ أخرني فأعطاه الله النظرة إلى يوم الوقت المعلوم، فقال أكثر الناس الوقت المعلوم هو النفخة الأولى في الصور التي يصعق لها من في السماوات ومن في الأرض من المخلوقين، وقالت فرقة بل أحاله على وقت معلوم عنده عز وجل يريد به يوم موت إبليس وحضور أجله دون أن يعين له ذلك، وإنما تركه في عماء الجهل به ليغمه ذلك ما عاش‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وقال بعض أهل هذه المقالة‏:‏ إن إبليس قتلته الملائكة يوم بدر ورووا في ذلك أثراً ضعيفاً‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والأول من هذه الأقوال أصح وأشهر في الشرع، ومعنى ‏{‏من المنظرين‏}‏ من الطائفة التي تأخرت أعمارها كثيراً حتى جاءت آجالها على اختلاف أوقاتها، فقد عم تلك الفرقة إنظار وإن لم يكونوا أحياء مدة الدهر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فبما‏}‏ يحتمل أن يريد به القسم كما تقول فبالله لأفعلن، ويحتمل أن يريد به معنى المجازاة كما تقول فبإكرامك يا زيد لأكرمنك‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا أليق المعاني بالقصة، ويحتمل أن يريد فمع إغوائك لي ومع ما أنا عليه من سوء الحال لأتجلدن ولأقعدن، ولا يعرض لمعنى المجازاة ويحتمل أن يريد بقوله ‏{‏فبما‏}‏ الاستفهام عن السبب في إغوائه، ثم قطع ذلك وابتدأ الإخبار عن قعوده لهم، وبهذا فسر الطبري أثناء لفظه و‏{‏أغويتني‏}‏ قال الجمهور معناه أضللتني من الغي‏.‏ وعلى هذا المعنى قال محمد بن كعب القرظي فيما حكى الطبري‏:‏ قاتل الله القدرية لإبليس أعلم بالله منهم، يريد في أنه علم أن الله يهدي ويضل، وقال الحسن ‏{‏أغويتني‏}‏ لعنتني‏.‏ وقيل معناه خيبتني‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا كله تفسير بأشياء لزمت إغواءه، وقالت فرقة ‏{‏أغويتني‏}‏ معناه أهلكتني، حكى ذلك الطبري، وقال‏:‏ هو من قولك غوى الفصيل يغوي غوى إذا انقطع عنه اللبن فمات، وأنشد‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

معطَّفةُ الأثناءِ لَيْسَ فَصيلُها *** بِرَازِئها دراً ولا ميت غوى

قال‏:‏ وقد حكي عن بعض بعض طيئ‏:‏ أصبح فلان غاوياً أي مريضاً، وقوله‏:‏ ‏{‏لأقعدن لهم صراطك‏}‏ يريد على صراطك وفي صراطك وحذف كما يفعل في الظروف، ونحوه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏ساعدة بن جؤية‏]‏‏.‏

لدن بهز الكف يعسل متنه *** فيه كما عسل الطريق الثعلب

وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏صراطك المستقيم‏}‏ يريد به الحق‏.‏ وقال عون بن عبد الله‏:‏ يريد طريق مكة‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا تخصيص ضعيف وإنما المعنى لأتعرضن لهم في طريق شرعك وعبادتك ومنهج النجاة فلأصدنهم عنه‏.‏ ومنه قوله عليه السلام‏:‏ «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، نهاه عن الإسلام وقال تترك دين آبائك فعصاه فأسلم فنهاه عن الهجرة وقال تدع أهلك وبلدك فعصاه فهاجر، فنهاه عن الجهاد وقال تقتل وتترك ولدك فعصاه فجاهد فله الجنة» الحديث‏.‏